فخر الدين الرازي
553
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة ، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيها ، ثم ذكروا فيها فوائد ، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها ، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو ؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به ، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه ، وذلك يقتضي التخيير . واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان ، وقيل : البضعة بين الكتفين ، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه . المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير ، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وعليه هو كقوله تعالى : اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [ البقرة : 60 ] أي فضرب فانفجرت ، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن اللّه وأوداجه تشخب دماً ، وقال قتلني فلان ، وفلان لا بني عمه ثم سقط ميتاً : وقتلًا . أما قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت . والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة ، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم ؟ فيه وجهان . الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة ، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر . قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك / الميت ، ثم قال : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى فجمع الْمَوْتى ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته . الثاني : قال القفال : ظاهر الكلام يدل على أن اللّه تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء اللّه تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم ، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه ، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل ، وقد قال إبراهيم عليه السلام : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى إلى قوله : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 26 ] فأحيا اللّه تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً ، ثم قال لهم : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة . المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى ، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً . أما قوله تعالى : وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات ؟